السيد عباس علي الموسوي

71

شرح نهج البلاغة

ليعبر بها عن سرعة إرادته وطاعة الأشياء له . . . وقد يكون مراده أن الأشياء نفسها لا تتأخر عن أمره أو تبطى ء عن إجابته أو تتلكأ عن ذلك . ( فأقام من الأشياء أودها ونهج حدودها ) . رفع اعوجاج الأشياء بأن أكمل صنعها وأتمه وسيّرها لما خلقت له كما أنه بيّن لكل شيء هدفه وطريقه الذي يسعى فيه . ( ولاءم بقدرته بين متضادها ووصل أسباب قرائنها ) . وهذه قدرة اللّه العظيمة أنه جمع في هذا المخلوق ما هو متضاد وما لا يمكن جمعه حيث جمع فيه العناصر الأربعة الهواء والماء والنار والتراب أو أنه جمع فيه ما لا يمكن جمعه كالحب والبغض والرضا والسخط وهكذا دواليك . ووصل هذه النفوس وهي من عالم النور بهذه الأجسام وهي من عالم الظلمة . أو المراد أنه ألهمه إلى ما هو أولى بها في معاشها ومعادها وما ينفعها ويضرها . ( وفرّقها أجناسا مختلفات في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات بدايا خلائق أحكم صنعها وفطرها على ما أراد وابتدعها ) . وزّعها وقسمها إلى أقسام مختلفة فكل واحدة لها حدودها التي تتميز بها وتختلف عن غيرها فهذا طويل وذلك قصير هذا أسود وذاك أبيض هذا جميل وذاك قبيح وجعل لكل واحد غريزة توجهه وتتحكم بمسار حياته فهذا شجاع وذاك جبان وهذا كريم وذاك بخيل وهذا شريف وذاك وضيع وكذلك جعل لكل واحد هيئة معينة فبعضهم حسن والآخر قبيح فلكل واحد حدود يتميز بها وقدر وغريزة وهيئة . . . خلقها سبحانه بهذه الصورة العجيبة الفريدة التي لم تكن على مثال تقدم عليها فكانت هي على مثاله بل صنعها صنعا محكما كما أراد وخلقها كما أحب وابتدعها من اللاشيء بقدرته وحكمته .